أهلا وسهلاً بكم في موقعى .. ارحب بآرائكم واستفسارتكم من خلال التواصل معي على أحد وسائل التواصل


التعصب الرياضي.. من هو الخاسر الحقيقي؟

 

كرة القدم رياضة جميلة ممتعة أوجدت منذ ابتكارها روح المنافسة والرغبة في النصر والتفوق عند جميع ممارسيها، وهذن الأمران لا غبار عليهما ولكن متى يصبح الغبار عليهما؟ إن الغبار سيعلوهما من سافلهما لعاليهما حين يتحول هذا المتنفس الرياضي من لعبة خلاقة للإبداع والموهبة إلى حرب ضروس خالية من كل معاني الجمال والمتعة التي يُفترض أن تميز هذه الرياضة ووجود هذا التوجه يُناقض كل المعاني الرفيعة التي تُعتبر من أهم المرتكزات الرئيسيّة لهذه الممارسة الرياضية منذ أن عُرفت كما أنه يُعد عنصرًا مناهضًا لجميع العوامل المُشَكّلة والمُوجِدْة لدواعي الجذب والمتابعة لهذه اللعبة، والتي من أهم مظاهر روعتها خُلُوّها من التشنجات والمظاهر المنافية لقيم الروح الرياضية المُتَقْبِلة لمبدأ الربح والخسارة هذا المبدأ الذي يجب أن تتم مراعاته من جميع أطراف هذه اللعبة والاعتراف من قبلهم بأنه نتيجة طبيعية لممارسة هكذا فعالية رياضية.

 

إن كرة القدم في السعودية منذ بدء تبنيها في مجتمعنا الرياضي خلقت جوًا لم يعهده المجتمع السعودي من قبل مما أسهم في جعل كرة القدم منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا من أهم مناشط الحياة في بلادنا ولكن؟

(سؤال استنكاري سيتضح جوابه لاحقًا).

 

إن التنافس الخلاق والمبدع بين ممارسي هذه اللعبة يُعد أكبر مُحَفْز للرقي بمستواهم الفني الأمر الذي من شأنه أن يُضاعف من فرص التفوق والتميز بينهم، وهذا الواقع أسهم في إيجاد وخلق عوامل وفرت لأغلب المنخرطين في هذه الممارسة الكروية متنفسًا يستطيعون من خلاله تحقيق معظم طموحاتهم المادية والمعنوية في ظل عدم وجود متنفس آخر يُمَكْنّهُم من تحقيق مثل تلك الطموحات مما جعل هذه الرياضة تحظى بقبول واسع وانتشار غير مسبوق عند مختلف أطياف المجتمع وخاصةً الشباب في جميع أرجاء العالم، ولكني سوف أحصر حديثي هنا عن هذه اللعبة وجوانبها الإيجابية والسلبية على داخلنا المحلي السعودي وهو الذي يُشكل لي أهمية كبرى ويشغل بالي كأحد أفراد هذا المجتمع النبيل الذي أفتخر بالانتماء إليه وأُفاخر بإنجازاته في مختلف المجالات وعلى جميع الصُّعُدْ ومنها المجالات والصُّعُدْ الرياضية.

إن من سلبيات رياضة كرة القدم السعودية الحديثة هو أنها خلقت تراجعًا في تفهم وتقبل مبدأ الربح والخسارة والذي كما ذكرت آنفًا يُعد نتيجة طبيعية لممارسة هكذا رياضة ونلمس عدم تقبل هذا المبدأ في وجود ممارسات وأفعال بعيدة جدًا عن مبدأ التنافس الشريف والإيمان بأن البقاء للأفضل، وَمِمَّا يُعزز وجود هذا التوجه الخاطئ هو لجوء الكثير من المنتمين لهذا المجال إلى سلك وتبني أي وسيلة يرى ممارسوها أنها ستُمَكّن ناديهم من الفوز ومن ثم ستجنبه الهزيمة وهذه السلبية التي لم يتم التصدي لها وإيقافها منذ بدء نشأتها أسهم وبشكل كبير في تفاقمها ورواجها وبدلًا من محاربتها ونبذها نجد أن هناك من ينادي (وإن لم يكن علنًا) إلى التسليم بوجودها والتماس الأعذار لكل من يرى فيها ضرورة لا بد من القيام بها كوسيلة تُمَكّنْ فريقه من تحقيق طموحاته الرياضية.

 

لقد أصبح من الواجب المُحَتّم علينا فعله هو.. مهاجمة هذه السلبيات لا تبنيها.. وردعها لا شرعنتها.. فهي في نظري كانت وما زالت السبب الرئيس فيما هو حاصل حاليًا وما نراه من وجود نزعات تعصبية بين مختلف الفرق الرياضية ومشجعيها الأمر الذي أدى إلى ما نشهده ونشاهده من تفوق الانتماء للفرق على حساب الانتماء للبلد، وحين أقول البلد فأنا أعني البلد وسيتضح سبب هذا التشديد لاحقًا في ثنايا تلك الكلمات.

 

إن خير دليل على وجود هذه النزعات التعصبية هو ما شاب مباراة الهلال السعودي مع نظيره أوراوا الياباني وكيف لمسنا مدى الغُلُوّ الرياضي المقيت الحاصل في بلدنا والذي تجلى في تغليب الانتماء الفِرَقّي على حساب أمور أخرى أكثر أهمية، حيث إنه وصل الأمر بالكثيرين من متابعي تلك المباراة إلى تغليبهم الشديد لرغبتهم الجامحة في هزيمة الفريق السعودي وانتصار الفريق الأجنبي عليه، وأنا أرى أن في هذه الرغبة الجامحة مؤشرًا مقلقًا جدًا وخطيرًا جدًا في الوقت نفسه مما يُحَتم علينا جميعًا وفِي مقدمتنا المسؤولون عن رياضة كرة القدم في بلادنا إلى الاهتمام بدراسة أسباب ودواعي وجود هذه السلبية المخجلة والنظر إلى كيفية التصدي لها ومحاصرتها والقضاء عليها نهائيًا لأنها في نظري وفِي نظر أمثالي من المحايدين المتجردين من أية انتماءات رياضية مِعْوَل هدم يُهدد نسيجنا المجتمعي وليس الرياضي فقط، بل إنني أزعم أن سلبيتها ستطال حتى نسيجنا الوطني الذي لا أرى في الإشارة إليه أي مبالغة مُفرطة، لذلك فإن علينا تحطيم ونبذ هذا المعول الهدام والسعي دون أدنى كلل لإقصائه تمامًا واقتلاعه جذريًا من ذهننا الرياضي عملًا وقولًا.

وحتى أُزيل أية تخرُّصات أو تأويلات قد تدور بخلد القارئ تتعلق بانتمائي الرياضي الذي ربما يظن قارئ هذه السطور أنه هو الذي أوجب عليَّ كتابة هذا المقال للدفاع فقط عن نادي الهلال، فلهذا السبب وغيره أشير إلى أن انتمائي الرياضي ليس “هِلاليّ” الهوى بل “أجده من الطريف” أن يظهر لكم أن انتمائي الرياضي هو لألَدّ أنداد نادي الهلال حتى تكون الصورة واضحة لدى الجميع… وجميع من هم مقربون مني يعلمون ذلك جيدًا عني.

أعود لمحور حديثنا لأتساءل (بعد انتهاء تلك المباراة ومعرفتنا لنتيجتها النهائية) من هو الخاسر الحقيقي في تلك المباراة يا ترى؟ هل هو فعلًا نادي الهلال أم مُكَوِّن آخر؟ إن الجواب عن هذا التساؤل حسب مبادئي وقناعاتي هو أن الخاسر الحقيقي لتلك المباراة ليس نادي الهلال بل “الوطن” بأجمعه سواءً أُدْرِكتْ هذه المُحَصِّلَة أم لم تُدْرَكْ ليس فقط بناءً على نتيجة المباراة بل بناءً على التداعيات والتبعات التي تلت ذلك الحدث.

 

قد يقول الكثيرون إنني أبالغ فيما أقول وإن هذا الأمر لا يستدعي كل هذا التشنج في التناول، ولكني وبكل تواضع أختلف تمامًا مع هذا الاستنتاج؛ فأنا أرى أنه لو اقتصر التفاعل مع هذه السلبية على المشجع العادي لأمكن تفهمها أو على الأقل تجاهلها، أما وأن تطال “مفكرين وشيوخ دين” ممن نتوسم الخير فيهم وممن يُفترض بهم أن يمثلوا لنا القدوة الواجب الاحتذاء بها عندما نجدهم يقولون بعد كل ما ترتب على نتيجة ذلك النزال الرياضي من تداعيات كبيرة جدًا ومظاهر غير طبيعية في التعبير عن الفرح بها من قبل مناوئي نادي الهلال أنه لا حرج في ذلك لأنهم يرون أن في مثل هذا التعبير حتى وإن شابه مبالغة مفرطة أمرًا عاديًا لا يجب التركيز عليه ولا يجب منحه أكثر من حجمه، بل إننا وجدنا البعض منهم يُبالغ في تبني هذه الرؤية إلى حد الدفاع عنها ومهاجمة من ينتقدها وأيضًا من ينتقد “الطقطقة” الواسعة التي واكبتها والتي انتشرت انتشار النار في الهشيم كما أظهرها لنا واقعنا الراهن رغم علم هؤلاء القادة “مفكرين وشيوخ” (وهنا أبتهل إلى الله أنهم فعلًا يعلمون) أن “الطقطقة” بمفهومها وأسلوبها المتداول لدينا حاليًا تُعد أحد أهم أمراض المجتمع السعودي والتي يعتبرها أي مجتمع متحضر في العالم متى ما تواجدت فيه ممارسة تَحطُّ من شأنه ولا تُعليه وتشوه سمعته ولا تجملها وهذا ما حَتَّم عَلَيَّ ودفعني بشدة لتناول هذا الموضوع.

إننا حين نجد أن من نعتبرهم قادة فكر في بلادنا (ومن بينهم شيوخ دين كما ذكرت) ممن نؤمِّل فيهم أن يكونوا هم الرافعة الداعمة لتماسك مجتمعنا وهم من نُعوِّل على أن مواقفهم وطرحهم سيُسهم في رقي المجتمع وتخليصه من أية شوائب قد تؤدي إلى خلخلة الانتماء إليه ومنعه من الوقوف صفًا واحدًا تجاه أية تحديات يواجهها حتى لو كانت رياضية يجعلني أُصدم حقيقةً بمواقفهم التي تطرقت إليها سابقًا فأنا لا أستطيع أن أتقبل أو أتفهم تحليلهم وتناولهم لهذه الظاهرة على أنها أمرٌ بسيط لا يجب تضخيمه وأنه في نظرهم لا يمس بمبدأ الانتماء للوطن الذي يقصرونه رياضيًا في تصريحاتهم على “منتخب” الوطن فقط أما بالنسبة للأندية فلا مانع عندهم من أن يتوجه العامة بالدعاء والابتهال إلى الله أن يُنَكّل بهذا الفريق أو ذاك وأن يُهزم شر هزيمة من قبل منافسه غير السعودي مع أن هذا النادي السعودي يُشارك في مباراة خارجية لا يُمثل فيها نفسه فقط بل يُمثل فيها وطنه وانتماءه الديني والمجتمعي.

فإذا كان هذا هو حال من نسميهم قادة الفكر في بلادنا فماذا عسانا أن نقول نحن عن حال العامة؟

وأختم بالقول في نهاية هذا المقال، بأنك إما أن تكون سعوديًا بالمطلق أو أن تكون غير سعودي بالمطلق؛ فالانتقائية مرفوضة جدًا في جميع أحوالها وتجلياتها ويجب أن تُحارب بكل صورها وأشكالها فتشجيع فريقك ضد فريق آخر أمر مشروع لا غبار عليه طالما ظل في إطاره المحلي، شريطة أن ينضبط هذا التنافس بالأخلاق الرياضية المتعارف عليها “طبعًا”، أما حين يتعلق الأمر بتمثيل وطنك خارجيًا فيجب عليك حينها أن تتناسى جميع الخلافات الداخلية “مهما كانت وأكرر هنا مهما كانت” فتمثيل الوطن لا يجب اختزاله في “المنتخب” فقط بل عليه أن يشمل جميع من يمثلون الوطن رياضيًا وغير رياضي خاصةً عندما تكون مَقَاَر تمثيل الوطن هي المحافل الدولية سواءً كان هؤلاء الممثلون أفرادًا أم فرقًا أم منتخبات.

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com الحلول الواقعية شركة برمجة في الرياض www.rs4it.sa