اللاعبين الأجانب ومستقبل الرياضة السعودية
الرياضة بصفة عامة لم تعد مجرد وسيلة للترفيه في هذا العصر أو وسيلة لقضاء وقت الفراغ فقط بل أصبحت من أفضل مناشط ووسائل توظيف الحراك الشبابي فكرياً وبدنياً ومجتمعياً كما أنها أصبحت تقوم بدور مهم في تسليط الضوء على البلدان التي ترعاها وتهتم بها ومن أبرز مناشط الرياضة عالمياً رياضة كرة القدم التي نرى ونشاهد حجم الاهتمام الكبير الذي تحضى به في مختلف البلدان العالمية خاصةً الكبرى منها ممّا جعل هذا الاهتمام ينسحب على الكثير من البلدان ومن بينها بلادنا الغالية.
وما عزز وجود هذا الاهتمام في بلدنا بالرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً هي الشعبية الجارفة التي تلقاها من لدن فئة الشباب لدينا الذين يمثلون الشريحة العمرية العظمى بين شرائح مجتمعنا المختلفة ولقد تمثل هذا الاهتمام في منح محفزات مادية ومعنوية ضخمة لرياضة كرة القدم ولممارسيها الأمر الذي جعلها تتسيد مختلف المناشط والفعاليات الأخرى داخل الوطن ولكن رغم كل ما سبق ذكره من اهتمام ورعاية؛ يبرز سؤال في غاية الأهمية وهو هل التوظيف الحالي المعتمد في بلادنا لرياضة كرة القدم والذي يرتكز في معظمه على جلب لاعبين أجانب كُثُرْ تتكفل المؤسسة الرياضية العليا بكافة متطلباتهم المادية يخدم فعلاً مستقبل رياضة كرة القدم في بلادنا؟.
إن هذا السؤال في نظري هو جوهر التمحيص والتدقيق الذي يجب أن يُتناول وأن يُطرح لتشخيص مدى نفع النهج الرياضي المعتمد حالياً وقياس جودة أثره على رياضة كرة القدم المحلية.
بدايةً ما لا يجب إنكاره في هذا الصدد أن السياسة الحالية المتلخصة في استقطاب اللاعبين الأجانب بكثافة في جميع الأندية السعودية كما ذكرت أعلاه أسهمت وبشكل كبير في رفع المستوى الفني للأندية وزادت من حدّة التنافس بينها بل وقلبت الواقع التنافسي الذي كان محصوراً بين أندية محددة بعينها في السابق؛ إلى تنافس أصبح بعد تطبيق هذه السياسة الجديدة شامل لجميع الأندية المحلية كبيرها وصغيرها ممّا جعل من عملية التكهن بمن ستكون له الغلبة والنصر حين تتقابل الأندية المتنافسة أمر صعب جداً وهذا في حد ذاته إيجابية كبيرة تستحق التقدير والإشادة ولكن من جهة أخرى ترتب على هذا النهج الجديد سلبية كبيرة جداً في نظري تتلخص في تغييب نسبة كبيرة من الكفاءات الكروية المحلية في أغلب الأندية الأمر الذي أثّر سلباً على فرصة بروزها وظهورها وهذا أمر مؤسف ويجب أن يتم تداركه وأن يتم إيجاد حلول ناجعة له فدور اللاعب السعودي يجب أن يكون حاضراً وبقوة في ساحتنا الكروية لأسباب كثيرة أهمها أن اللاعبين السعوديين هم وقود المنتخبات السعودية وفي حال تم تحجيم دورهم محلياً فإن ذلك سينعكس سلباً على دور المنتخبات وحجم إنجازاتها خارجياً فالمشاركات الخارجية كما يعلم الجميع تُعد الواجهة الرياضية الأولى لأي بلد ينشد إظهار صورته بالشكل اللائق والإيجابي؛ فما هو الحل للخروج من هذا المأزق يا ترى؟.
إن الجواب على هذا التساؤل يكمن في دراسة بعض الحلول التي يمكن لها علاج مثل هذه المعضلة والسلبية المقلقة وأبرز هذه الحلول في نظري يتمثل في ضرورة تقليص عدد اللاعبين الأجانب من سبعة لاعبين كما هو معمول به حالياً إلى أربعة أو خمسة لاعبين أجانب على أقصى تقدير وأعتقد أن هذا الحل متى ما تم تطبيقه فإن بإمكانه أن يوفر فرص أكبر لبروز اللاعبين المحليين الموهوبين دون أن ينال ذلك من مستوى التنافس بين الأندية الذي هو عليه الآن أو على الأقل لن يؤثر عليه تأثيراً بالغاً يحول دون إسهامه الإيجابي الحاصل حالياً وهذا البروز الذي أتحدث عنه من شأنه أن يؤهل هؤلاء اللاعبين المحليين لاحقاً لتمثيل البلد خارجياً بشكل إيجابي يُسهم في إظهار حجم التطور الرياضي الذي تعيشه بلادنا وخلق إنطباع جيد عنه وهنالك أيضاً إيجابية أخرى لهذا الحل تحمل أهمية معتبرة وهي أن في تطبيقه تقليصٌ كبير للكلفة المادية العالية التي تتكبدها المؤسسة الرياضية في بلادنا حالياً بسبب التواجد الكثيف للاعبين الأجانب المستقطبين لدى غالبية أنديتنا الكروية.
وإذا تعذر تطبيق هذا الحل الذي أوردته أعلاه فهنالك حل آخر يمكن أن يحل محله ويتلخص هذا الحل في إيجاد “دوري رديف” يكون جميع لاعبيه من اللاعبين المحليين ممّا سيمنح الموهوبين منهم فرصة البروز والظهور ومن ثم الاستقطاب في الدوري الرئيس كي يتم لاحقاً ضمهم للمنتخبات الرسمية حتى يعززوا دور واداء ونتائج منتخبات الوطن في مختلف المحافل الرياضية الخارجية التي تشارك بها.
أخلص أخيراً إلى القول بأن الرياضة في هذا العصر أصبحت من أبرز أسلحة القوة الناعمة التي تستغلها الكثير من الدول لذا يجب علينا العمل على إستغلال هذا السلاح الناعم كما يجب خاصةً وأن وطننا ورموزه يتعرضان للكثير من الاجحاف في الإعلام العالمي وهذا التعرض يُحتم علينا ضرورة السعي إلى توظيف كافة العوامل السلمية الفاعلة والمؤثرة توظيفاً إيجابياً يُسهم في إبراز صورة حقيقية للعالم بأسره عنّا وعن قيادتنا بأسلوب مثمر وفعّال وبشكل أسهل وأسرع.
