اليسار الأمريكي من جديد
ما يجهله الكثير عن هذا التيار المسمى باليسار الامريكي أن جذوره ليست حديثة العهد بل تعود إلى مطلع عام 1848 ورغم أنه مرّ خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة بتحولات فكرية ومجتمعية عدّة إلا أنه تمكن من اتباع وسيلة كفلت له العيش والتعايش والاستمرار إتسمت هذه الوسيلة بالبراغماتية البحتة الأمر الذي ساعده على البقاء فاعلاً ومؤثراً رغم كل ما واجهه من تحديات؛ ومن شواهد براغماتيته مثلاً انزواءه تحت ظل الحزب الديموقراطي منذ إنشاءه وحتى الآن.
ومن أبرز تأثيرات هذا التيار الملموسة في هذه الحقبة الزمنية الراهنة على السياسية الامريكية هو ما عايشناه نحن العرب والسعوديين تحديداً من تأثيرات حقبة الرئيس الامريكي السابق باراك أوباما بكافة معالمها وتداعياتها ثم ما بدأنا نلمسه حالياً من تأثيرات العهد الامريكي الجديد الذي يقوده جو بايدن وكيف أنه في مفاصل كثيرة من سياساته يتبع نهج سلفه أوباما إتباع يكاد يكون حرفي ومن نافلة القول الاشارة إلى أن هاذين الرئيسين ينتمي كلاهما للحزب الديموقراطي.
وتصب هذه التأثيرات المشار إليها آنفاً في محاولة استقطاب وتمكين دولة كإيران؛ دولة ممزقة الأشلاء داخلياً ولا تملك من المقومات خارجياً سوى إثارة البلبلة والحروب والنعرات الطائفية وخلق أذرع إرهابية لها في البلدان العربية المجاورة لها كالحشد الشعبي في العراق ومرتزقتها في سوريا وحزب “اللات” في لبنان والجماعة الحوثية الباغية في اليمن؛ أذرع لا دور لها سوى حرب شعبها وتدمير مقدرات بلادها والنيل من جوارها العربي تلبيةً لأوامر سيدها الفارسي.
كما أن هذه التأثيرات طالت أيضاً محاولة تعزيز مكانة الاسلام السياسي في الاقليم العربي ومنتسبيه كجماعة الأخوان المسلمين الارهابية مثلاً والسعي لتتنصيبهم قادة وزعماء للبلدان العربية طمعاً في جعلهم أدوات تحقق لهم كافة تطلعاتهم ونزواتهم مظهرين هؤلاء الساسة من خلال هذا التوجه سذاجة تامة وغباء سياسي منقطع النظير.
ودعوى توصيف هذه السياسة بالسذاجة والغباء أن أصحابها يتخلون من خلالها عن حليف استراتيجي وتاريخي لبلادهم كالسعودية التي تزخر بالموارد والمقدرات وتشهد حالياً نهضة تنموية ضخمة في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة ويتقربون على غرار ذلك من دولة مريضة عليلة تراوح مكانها كأيران التي يئن شعبها من شدة الفقر والعوز ويشتكي من تردي الخدمات واضمحلالها.
إلا إن كان هذا الازدهار الذي تشهده السعودية ويعيشه شعبها هو السبب وراء السعي الحثيث لتجسيد هكذا سياسة والعمل على ترسيخها وكأن الدولة السعودية “جمهورية موز” سترضخ بكل يسر وسهولة لهكذا حال لا دولة راسخة متينة وقوية تمتلك العديد من المقومات التي تجعلها في غنى عن امريكا وغير امريكا وأول هذه المقومات أنها بلاد الحرمين وقبلة المسلمين وثانيها أنها دولة تملك مقدرات جعلت جيشها مثلاً خامس جيوش العالم واقتصادها من أقوى اقتصادات العالم إلى غيرها من المقومات التي تجعلها عصيّة على أي محاولة لإرضاخها أو النيل منها أو ابتزازها أو حتى حرف بوصلتها التنموية الحالية كما أن السعودية قادرة أيضاً على خلق تحالفات جديدة توفر لها كل ما ترنو إليه فامريكا ليست الدولة الوحيدة في هذا العالم القادرة على تصنيع السلاح أو غيره من السلع والخدمات وهذا ما يجب أن يعلمه الامريكان جيداً حال استمروا في سياستهم الرعناء هذه.
أختم أخيراً بقول إن الخاسر الوحيد من جرّاء إتباع الساسة الامريكان لنهج اليسار الامريكي محور هذا المقال لن يكون بأي حال من الأحوال الدولة السعودية فهي قادرة على الالتفاف حول هذه السياسة إذا ما استمرت وتفاقمت وقادرة أيضاً على تعويض أي خسائر قد تلحق بها وهذا ما يجب أن يعلمه الجميع وأولهم الامريكان ساسة وشعب.
