كرة القدم السعودية بين الهواية والاحتراف
إن من أهم ما قدمته الحضارة الإنسانية بغض النظر عن مصدرها للإنسان هو الرياضة مفهومًا وممارسة؛ حيث إنها اشتملت على أبعاد إنسانية عدة مهمة منها البُعد الصحي وهو أهمها، إضافة إلى أبعاد أخرى لا تقل أهمية عن ذلك البُعد ومنها تلاقح الحضارات وارتفاع منسوب التواصل والتبادل المعرفي والحضاري بين الأمم.
بداية مزاولة الرياضة كانت قديمة جدًا في بُعدها التاريخي وإن اختلفت أنماطها، ومن تلك الأنماط الشهيرة عالميًا المصارعة الرومانية وسباق الخيل إلى غيرهما من الأمثلة، لكن المثال الذي هو محور هذا المقال يتعلق بابتكار رياضة تعارف العالم على تسميتها بكرة القدم ويعود تاريخ مزاولتها إلى أكثر من ٢٥٠٠ عام ميلادي وكانت بدايتها في الصين ولكن النسخة الحديثة المتداولة حاليًا كان بلد منشئها إنجلترا أو كما تعارف العالم على تسميتها بالمملكة المتحدة؛ حيث بدأت في عام ١٠١٦م وكان ذلك بمناسبة إجلاء الدنماركيين المحتلين عن إنجلترا، ولقد تطورت ممارسة هذه الرياضة من صيغتها البدائية الأولى إلى صورتها الحديثة الحالية وكذلك تطورت من كونها مجرد هواية ووسيلة للترفيه إلى مورد مالي مؤثر بعدما تم تبني ما يُسمى بالاحتراف.
والسعودية كغيرها من بلدان العالم تبنت هذا النوع من الرياضة وكانت بداية ممارسة كرة القدم في السعودية عام ١٩٧٠م وأصبحت تدريجيًا الرياضة الشعبية الأولى في البلاد، وكانت في بداياتها تقتصر على الترفيه والتسلية وكان اللاعبون حينها يُصنفون على أنهم هواة فقط ويتلقون فقط مكافآت مالية تُستخدم كعوامل محفزة لهم للاستمرار في ممارستها وظل هذا النهج هو السائد إلى أن تم تبني الاحتراف حديثًا، حينها حدث تحول كبير في العامل المالي تحديدًا المرتبط بكرة القدم بحيث أصبح الدخل المادي العائد للاعبين من ممارسة هذه الرياضة يصل في أحيان كثيرة إلى أسعار فلكية لم يكن يحلم بها أحد من مزاوليها الهواة قديمًا.
وهنا أبدأ في نقاش محور هذا المقال المتمثل في المقارنة بين لاعبي هذه الرياضة كهواة ومحترفين سواءً من حيث المهارات أو الإنجازات ونظرتهم للمال ومدى كونه أولوية عندهم من عدمه.
لقد مكنني عمري الخمسيني من أن أكون شاهد عيان على تطور هذه الرياضة في بلادنا منذ أن كانت ممارستها مجرد هواية إلى أن دخلت عالم الاحتراف، ويذكر من هو في عمري عندما كانت هذه الرياضة مصنفة كهواية فقط حجم الإنجازات ومدى جد واجتهاد ممارسيها وحجم حبهم وولائهم لأنديتهم ومنتخباتهم الوطنية بحيث جعلوا من فترتهم تلك فترة تُصنف على أنها الفترة الذهبية لكرة القدم السعودية كمًّا ونوعًا رغم مردودها المالي المحدود على اللاعبين ولكن بدأ يتغير هذا الحال حين زلف إلينا منذ فترة ليست بالبعيدة مبدأ احتراف هذه اللعبة، وهذا في حد ذاته ليس أمرًا معيبًا بل هو أمر لا بأس به ولا غبار عليه فالتطوير مطلوب في أي جانب من جوانب الحياة والرياضة جانب مهم من جوانب الحياة ولكن مصيبتنا الدائمة تقع في تبنينا قشور أي مستجد حضاري وإهمالنا لما هو أهم وهو تبني القواعد والأسس التي يلتزم بها هذا المستجد الحضاري أو ذاك وأخص بالذكر هنا المستجد الرياضي محور هذا المقال.
إن مبدأ الاحتراف الرياضي من ضمن ضوابطه المعمول بها عالميًا تفعيل وترسيخ مفاهيم الالتزام والانضباط واحترام العامل السلوكي والاخلاقي في هذه الرياضة وأيضًا ترسيخ مفهوم أن هذه الرياضة تحولت إلى مهنة شأنها في ذلك شأن سائر المهن لها حقوق وعليها واجبات وهذا ما نفتقر مراعاته والعمل به سواءً لاعبين أو مسؤولين، الأمر الذي كان من تداعياته تدهور وتراجع حال رياضة كرة القدم في السعودية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم وهذه هي دومًا النتيجة الطبيعية للتطبيق الأعوج لأي مستجد حضاري.
وقد يقول لي قائل لماذا تتحدث بهذه السوداوية عن الاحتراف المحلي وأن هذا مصدر رزق يجب ألا تنتقده؟ وأجيب بالقول بأننا مطالبون أولًا كمسلمين وثانيًا كأصحاب مِهَنْ احترافية وكرة القدم أصبحت تُعد عرفًا مهنة محترفة، مطالبون بإتقان العمل المناط بِنَا عمله حتى نستحق أخذ الأجر الموازي له وديننا يحث على ذلك؛ والدليل قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): “من أخذ الأجر حاسبه الله على العمل” (رغم أن بعض العلماء ضَعَّفَ هذا الحديث إلا أن دلالاته تنسجم مع روح ومبادئ الإسلام).
وأنا هنا ألقي باللائمة على المسؤولين عن الرياضة في بلادنا أكثر من إلقائي بالمسؤولية على عاتق اللاعبين؛ فالمسؤولون هم من يجب عليهم أن يضعوا الضوابط والقوانين الحازمة التي لا استثناءات فيها ولا تجاوزات لأن ذلك كفيل بأن يجبر اللاعب على التقيد بها وأن تُفَعَّل قاعدة “إنك أيها اللاعب لن تتلقى أي عائد مادي محددا إلا إذا كنت تستحقه فقط”، ولكن للأسف هذا الأمر هو أبعد ما يكون عليه الوضع حاليًا وهذا القصور في نظري وفي نظر الكثيرين هو “بلا بوك يا عقاب”.
أكرر أخيرًا يجب ترسيخ مفهوم المحاسبة عند اللاعبين وإرساء ثقافة الحقوق والواجبات عندهم بحيث يدرك اللاعب أنه لن يتقاضى إلا ما يستحقه فقط لأن تجاهلنا الحالي لترسيخ هذا المفهوم أثبت دون أدنى شك أنه لن يُسهم إلا في المزيد من تراجع وتخاذل مجتمعنا الرياضي والمزيد من النكوص عن اللحاق بالعالم المتحضر كما نراه ونشاهده اليوم ليس في مجال الرياضة فحسب بل في مختلف المجالات.
