الوطن … الوطن نعمة لا يعرف قيمتها ولا يعلم مدى أهميتها إلا من يفارق وطنه أو من يراه عرضةً للجحود والنكران مسلوب الأمن والأمان وهذا يعني بالضرورة أن الوطن يجب أن يكون عند من يعنيه أمره ويهمه سلامة ترابه وطناً موحداً آمناً مستقراً مزدهراً يسود كيانه التطور والنماء ويحكم أفراده التناغم والانسجام وكل من يشذ عن هذه القاعدة هو كافر بنعمة الوطن ولا يدين بالولاء لا لوطنه ولا لمن أرتضاهم وطنه ولاة أمرٍ له.
إن الغالبية العظمى من أبناء وبنات هذا الوطن يعلمون حجم الدسائس والمكائد التي يتعرض لها وطنهم ويتعرض لها ولاة أمرهم تبعاً لذلك ويشهد الواقع بأن هذا الإدراك لدى أبناء وبنات هذا الوطن ولّد لديهم وغرس فيهم المنافحة بصلابة عن هذا الوطن والدفاع عنه بقوة بأس أحبطت جميع المحاولات والمؤمرات التي تستهدف احداث شرخ في العلاقة بينهم كمحكومين وبين من ارتضوهم حُكّاماً لهم ورغم وجود هذه الحقيقة المشرفة إلا إن الواقع يشهد أيضاً بأن أعداء هذا الوطن وأعداء ولاة أمره لا يتوقفون عن الاستمرار في محاولاتهم البائسة واليائسة الهادفة لتحقيق ذلك الوطر الخبيث.
فلقد ظهر مثلاً هذه الأيام مصطلح جديد بدأ يُروّجه الكثير من أرباب “السوشال ميديا” سواءً الأعداء منهم العارفين ببواطن الأمور أو السُذّج البسطاء الذين لا يفقهون حديثاً والهدف الوحيد من ترويجهم له هو فقط لتحقيق تلك الغاية المقيتة التي فشلت جميع محاولاتهم السابقة في تحقيقها وهي تتلخص فيما أشرت إليه آنفاً من وجود رغبة مُلحّة لديهم في إحداث شرخ في العلاقة التي تربطنا بقيادتنا وهذا المصطلح الجديد هو “الوطنجية” والذي أصبح حالياً التهمة الرائجة التي يحاول أن يُلصقها هؤلاء الأعداء بكل من يدافع عن هذا الوطن ويدافع عن ولاة أمره.
لذا دعونا أولاً نتعرف على مفهوم هذا المصطلح لغة واصطلاحاً حتى يفهمه من ربما يجهله فيفهم بالتالي حقيقة دوافع من يستخدمه.
مفهوم “الوطنجي” لغةً هو كل “من يتظاهر بوطنية متطرفة” واصطلاحاً هو يعني بكل بساطة الانتقاص من كل من يدافع عن وطنه وقيادته بحماس وصلابة وهذا المصطلح قديم جديد فكل من يستخدمه حالياً هو في الواقع يستخدم المصطلح القديم المعروف ب “التطبيل” وإنما لأنه يعلم جيداً حجم المحاذير المصاحبة لإستخدام مصطلح “التطبيل” حالياً استعاض عنه باستخدام هذا المصطلح الجديد والذي هو في حقيقته يحمل نفس الغايات والدوافع التي يحملها مصطلح “التطبيل” ولتقرير هذه الحقيقة وتأكيدها دعونا نتأمل في مفهوم هذا المصطلح بشكل معمق ومفصل فنحن نجد مثلاً في مفهومه أنه يقرر أمرين محددين أول هاذين الأمرين “التظاهر” وثانيهما “التطرف” ولنتوقف عند الأمر الأول وهو “التظاهر” فممّا نعلمه لغةً أن التظاهر بأمر ما يعني بالضرورة أن باطن الشخص المتظاهر مختلف تماماً عن ظاهره ممّا يجعلنا نستنتج أن كل من يطلق هذا الوصف هو بالضرورة يعلم “الغيب” وهذا أمر لا يقول به عاقل مخلص لدينه أولاً قبل إخلاصه لوطنه فالغيب كما يعلم الجميع معجزة حرم الله أنبيائه ورسله من امتلاكها إلا بما يوحيه لهم من غيبيات فما بالك بغيرهم من البشر أما المفردة الأخرى وهي “التطرف” والتي معناها يقتضي وصف كل من يدافع عن وطنه وحياضه بصلابة وحماس بصفة “التطرف” فذلك لا يعدو عن كونه مجرد محاولة لتشويه أقوال وأفعال كل من تدفعه حميته ووطنيته للدفاع عن وطنه.
إن ما يجب أن يعلمه هؤلاء الأعداء أن التلاعب بالمصطلحات أصبح حيلة عدمية فقدت جدواها فكل من كان يستخدمها سابقاً مراهناً على جهل الناس بحقيقة دوافعه خسر رهانه ومهما استمر في استخدامها فإنه قطعاً سيكون خاسراً لرهانه ليس فقط نتيجة للوعي الذي يعيشه أغلب المنتمين لهذا الوطن في هذه المرحلة وإنما لأنها حيلة تجاوزها الزمن وسقطت بسقوط كل ما كان ومن كان يُغذيها ومن لازال بأوهامه يُراهن على نفعها هو حتماً إما جاهل يعيش خارج الواقع والتاريخ والمنطق وإما عدوٌ لدود أعمى بصيرته بغضه وحقده لهذا الوطن قيادةً وشعب.
وأقول ختاماً لكل من يروج ويتبنى مصطلح “الوطنجية” إن كان الدفاع عن وطننا وعن ولاة أمرنا يُعد عندكم تظاهراً فعليكم إثباته إن استطعتم ذلك ولن تستطيعوه وإن كان تطرفاً فليشهد الله ثم التاريخ بأننا جميعاً متطرفون حتى النخاع وليمت كل حاقد ومبغض منكم بكمده وحسرته ودام وطننا حراً أبيّاً ودام حُكّامنا حُكّام له رغم أنف كل متآمر عليه وعليهم.
