فلسطين تحت مجهر التاريخ السعودي
من الضروري بدايةً طرح عدة تساؤلات تسلّط الضوء على طبيعة العلاقة السعودية الفلسطينية تاريخياً كنوع من التمهيد قبل الدخول في صلب الموضوع أولاً دعونا نتساءل متى بدأت تظهر ملامح الموقف السعودي من إحتلال إسرائيل لفلسطين؟ وماهو موقف الملوك السعوديين الذين تعاقبوا على حكم السعودية من الشأن الفلسطيني؟ وما هي مظاهر الدعم السعودي الذي أظهرته القيادة السعودية طوال تاريخها لقضية فلسطين؟ وأخيراً هل أعلنت يوماً السعودية تخليها عن نصرة فلسطين؟.
بدأ موقف المملكة من قضية فلسطين منذ عهد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود المؤسس لما أصبح يُعرف لاحقاً بالمملكة العربية السعودية وظهرت حقيقة هذا الموقف في أعقاب مؤتمر عُقد في لندن عام 1935م لمناقشة القضية الفلسطينية حيث أكّدت المملكة في حينه على ضرورة دعم ومساندة القضية الفلسطينية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولقد شاركت السعودية في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بحل القضية الفلسطينية ابتداء من مؤتمر مدريد وانتهاءً بمبادرة السلام العربي التي اقترحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله (ولي العهد آنذاك) وتبنتها الدول العربية كمشروع عربي موحد لحل النزاع العربي الإسرائيلي والتي تنصّ ضمن بنودها على طلب تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي تشترط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 1967م.
ومن مظاهر الدعم المادي والمعنوي السعودي للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني منذ بدأت القضية الفلسطينية إلتزام السعودية بتقديم دعم مالي سنوي للفلسطينيين قدره مليار وسبعة وتسعين مليوناً وثلاثمائة ألف دولار لمدة عشر سنوات ثم قررت السعودية في قمة الجزائر تخصيص دعم شهري للانتفاضة الفلسطينية إبان اندلاعها مقداره ستة ملايين دولار.
وامتداداً لهذا الدعم المالي رفعت السعودية بُعيد مشاركتها في القمة العربية التي عقدت في الأردن عام 2017م مساهماتها الشهرية لدعم ميزانية السلطة الفلسطينية من قرابة السبعة ملايين دولار إلى عشرون مليون دولار إضافة إلى قيامها بزيادة رأسمال صندوقيّ الأقصى والقدس بقيمة خمسمائة مليون دولار كما تبرعت المملكة بمبلغ خمسون مليون دولار لدعم الأوقاف الإسلامية بالقدس ومبلغ خمسين مليون دولار لوكالة الأمم المتحدة (الأونروا) بحيث بلغ إجمالي المساعدات المقدمة من السعودية لفلسطين السبعة مليارات دولار خلال الفترة من 2000م إلى 2019م ناهيك عن دعمها السخي لفلسطين منذ بداية مأساتها.
ورغم كل ما سبق ذكره من دعم سعودي ثابت وراسخ عماده الرئيس ضرورة إيجاد حلّ يعيد الحق لأصحابه في مختلف المحافل الإقليمية والدولية إلا أنها لا تتلقى مقابل ذلك إلا تُهم العمالة للغرب والتخلي عن نصرة قضية فلسطين في تجني واضح لا يدعمه أي دليل لا سياسي ولا مادي بل يشهد الواقع بأن السعودية كانت ولازالت تعتبر قضية فلسطين قضيتها الأولى والذي هو موقف تخلّت عنه كافة الدول التي كانت ترفع شعارات عزمها على تحرير كامل أراضي فلسطين من النهر إلى البحر رغم توفر العديد من الفرص المواتية لتحقيق لذلك إلا أنهم فضلوا التمتع بالسلامة وتجاهل استغلال تلك الفرص مظهرين بذلك زيف اهتمامهم بالقضية الفلسطينية وتواضع إيمانهم حقاً بضرورة الدفاع عنها.
إن الدور السعودي الداعم للقضية الفلسطينية طوال تاريخها ظل صامداً بمختلف منطلقاته السياسية والاقتصادية ولا يكاد يخلوا أي خطاب سعودي من الإشارة إلى هذه القضية وإلى وجوب إيجاد حلّ لها أياً كانت طبيعة الزمان والمكان الذي يمنحها الفرصة لفعل ذلك دون أن تلجأ في المقابل للشعارات والمزايدات كحال غيرها وإنما أعتمدت في هذا الشأن وغيره سياسة الأفعال دون الإكتفاء بالأقوال وهذا ما تؤكده كافة مواقفها التي تستقيها من عاداتها العربية الأصيلة وأعرافها البدوية النبيلة التي تُفضل بناءً عليها الابتعاد عن الضوء والعمل بصمت وهو نهج أثبت جدواه خاصة عندما تقارنه بمخرجات أي نهج مغاير.
