الترفيه كمفهوم وممارسة هو حاجة فطرية لا يمكن الاستغتاء عنها أو السعي للقضاء عليها، وبدايتها أزلية فلقد وجدت منذ أن فطر الله الأرض ومن عليها والترفيه وفعالياته هو أمر متنوع الأشكال ومتعدد الأنماط ويحكم هذا التنوع والتعدد طبيعة المجتمعات والثقافات المختلفة التي تُفعّل عملية الترفيه وتمارسها فهنالك مثلاً ترفيه مقبول ومرحب به في مجتمع معين بينما هنالك آخر منبوذ وغير مرحب به في مجتمع آخر ممّا يعني بالضرورة أن لكل مجتمع مفهوم معين للترفيه تصحبه فعاليات ترفيهيه لاتتصادم أو تتعارض مع ثقافة المجتمع وبنيته السلوكية والمعرفية وأنا هنا لن أتعرض للجانب الأيديولوجي فالحديث في هذا الجانب طويل ومتشعب ويتطلب مقالات عدة وليس مجرد مقال واحد يُشار إليه إشارة عابرة كما هو حالي في هذا التناول وإنما سأتعرض فقط للجانب الذوقي والفني والتنظيمي الذي يُعظّمه مجتمع ما ويتقبله بينما لا يستسيغه مجتمع آخر ويرفضه وهذا التشخيص لا يعني بأي حال من الأحوال السعي لمحاربة تلاقح الحضارات وتبادل الثقافات ولكن المهم أن لا يصطدم هذا التلاقح الحضاري مع خصوصيات المجتمع وثوابته.
ينقلني هذا الحديث عن الترفيه إلى مناقشة ما أصبح الشغل الشاغل لدى الكثير في مجتمعنا السعودي حول النقلة الجذرية وليست النوعية فقط التي يعيشها مجتمعنا هذه الأيام في مجال الترفيه تحديداً وفعالياته بين مرحب ومهلل بها وبين معارض ومتخوف منها وأنا أرى أن كلا الجانبين على حق إلى حدٍ ما فالمرحب والمهلل على حق لأنه يرى أن مجتمعنا عانى ولفترة طويلة من حرمانه من الكثير من مظاهر الاحتفال والترفيه وإشباع رغباته الفنيّة ولكن أيضاً المعارض والمتخوف على حق حين يرى أن عملية الترفيه وفعالياتها الحالية يشوبها الكثير من عدم الانضباط والكثير من التخبط لذا فكلا الحالتين تحتاج إلى وقفة متأنية ودراسة متعمقة من قبل المسؤول كي يخرج بنتيجة تجعله يستنتج أسباب وجود عوامل الترحيب البالغ حيال الترفيه الحالي وممارساته من جانب ومن جانب آخر دراسة عوامل التخوف من الترفيه الحالي وتداعياته الأمر الذي سيجعله حتماً يصل في النهاية إلى حلول مقبولة عند الطرفين تخرج بالجميع من هذا المنطق التصادمي السائد حالياً.
إن ما يجب أن يعلمه الجميع كما ذكرت آنفاً أن لكل مجتمع ضوابطه وآدابه التي يجب أن تُراعى ويجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في مختلف مجالات الحياة والترفيه أحد أهم مجالاتها وهذا الكلام لا يعني أن من يحارب الترفيه مفهوماً وممارسة هو المحق وهو من يجب الأخذ برأيه والاعتداد به وإنما فقط علينا ايجاد ضوابط وقوانين تجعل من عملية الترفيه عملية منضبطه ومحوكمة فالحكمة المأثورة تقول: “أن من آمن العقوبة آساء الأدب” فنحن جميعاً شهدنا وجود ممارسات غير حضارية من قبل العامة في معظم الفعاليات التي تم إحياءها بل أحياناً ممارسات غير مهذبة وغير منضبطه ممّا يؤكد ضرورة وجود ما أشرت إليه من ضوابط وقوانين وتنظيمات تضبط عملية الترفيه كي تتحقق الغاية المنشودة من إحياءها وتتحقق الغاية من نشر ثقافتها.
وأخيراً أقول وأؤكد أن الترفيه حاجة فطرية بشرية يحتاجها الجميع وأخص بالذكر مجتمعنا السعودي الذي حُرم من الاستمتاع بالكثير من مخرجات الترفيه وأدواته لفترة زمنية طويلة ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن نسمح أو أن نقبل بأن تكون هذه الحاجة الفطرية حق مشاع لا يحكمها أي قانون أو تنظيم أو ضابط.
